روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

44

عرائس البيان في حقائق القرآن

والعرفان يبلغ هذه المراتب إلى درجة التوحيد ، والتوحيد يبلغ الجميع إلى مشاهدة الموحّد ، حتى صارت كلّ غيبة عيانا ، وكلّ نكرة عرفانا وكلّ إبهام بيانا ، قال اللّه تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] . وفي هذه الآية عرّفنا اللّه سبحانه أنّ الشرّ قديم ، وفي كلّ زمان ، لكلّ صادق قيّض اللّه له بذاته ملعونا سالوسا يؤذيه ، قال تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [ الفرقان : 31 ] ، ومن جملة من كان يؤذى نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم : أبو عامر الفاسق ، وكان راهبا أمر المنافقين ليبنوا مسجدا ضد مسجد قباء ، أو مسجد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رياء وسمعة ونفاقا ، وصدّ الخلق عن الدخول في الإسلام . كذلك في زماننا هذا لبسوا الصوف ، وأظهروا الزهد ، وبنوا بقاع السوء ، وجلسوا فيه بالأربعين ، ويرسلون الشياطين إلى أبوابه ، لا تراك العوانين حتى يقولوا أن فلانا في الأربعين ، ينبغي أن تزوروه ، فإنّه من أولياء اللّه ، ويريدون بذلك جرّ المنفعة إليهم ، وصرف وجوه الناس إليهم مع مضادات أولياء اللّه ، فإذا دخل عليهم أحد من العوام ، يقعون في ذكر مساوئ أولياء اللّه ، وعيبهم وقبح المقال فيهم ؛ ليصدوا الناس عن التبرّك بهم ، والاعتقاد فيهم يخونون اللّه ، ويخونون أولياء اللّه ، واللّه لا يهدي كيد الخائنين ، طهّر اللّه وجه الأرض من مثلهم . قال أبو بكر الوراق في قوله : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى من صحّح إرادته بدءا ، ولم يعارضه شكّ أو ريبة ، فإنّ أحواله تجري على الاستقامة ، وتصحيح الإرادة ، هو الخلع عن مراده أجمع ، والرجوع إلى مراد اللّه فيه . قال اللّه : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى . قال أبو عثمان : أرض الفتنة لا ينبت فيها إلا الفتنة ، وأرض الرحمة تصيب الإنسان رحمة ، ولو بعد حين « 1 » . ثمّ إنّ اللّه سبحانه وصف أهل القباء بتقديس أسرارهم ، وعلوّ مراتبهم ، وقبولهم في أزل محبتّه لهم ، بقوله : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ : وصفهم بحبّ الطهارة ، ووصف نفسه تعالى بحبّ المطهّرين . و « الطهارة » : طهارة الأسرار من الخطرات ، وطهارة الأرواح من الغفلات ، وطهارة القلوب من الشهوات ، وطهارة العقول من الجهلات ، وطهارة النفوس من الكفريّات ،

--> ( 1 ) ( أحقّ أن تقوم فيه ) أي : أولى بأن تصلى فيه ، وهو مسجد قباء ، أسسه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أيام مقامه بقباء ، حين هاجر من مكة ، من الاثنين إلى الجمعة ، وهذا أوفق للقصة . البحر المديد ( 2 / 447 ) .